محمد جمال الدين القاسمي
148
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قتيل قتله الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق . فكانوا على ذلك حتى قدم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، فذلّت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ويومئذ لم يظهر ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح . فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا . فأرسلت العزيزة إلى الذليلة : أن ابعثوا لنا بمائة وسق ، فقالت الذليلة : وهل كان في حيين قط ، دينهما واحد ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد ، دية بعضهم نصف دية بعض ؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم . فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك ، فكادت الحرب تهيج بينهما ، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينهم . ثم ذكرت العزيزة فقالت واللّه ! ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منهم ، ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلّا ضيما منا وقهرا لهم . فدسّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه . إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه ، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه ، فدسّوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ناسا من المنافين ليخبروا لهم رأي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلما جاءوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخبر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأمرهم كلّه وما أرادوا . فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ - إلى قوله - الْفاسِقُونَ ثم قال : فيهما ، واللّه ! نزلت ، وإياهم عنى اللّه عز وجلّ . ورواه أبو داود بنحوه . و روى ابن جرير « 1 » من طريق أخرى عن ابن عباس قال : إن الآيات في المائدة قوله : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ - إلى - الْمُقْسِطِينَ إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة . وذلك أن قتلى بني النضير ، وكان لهم شرف يؤدّي الدية كاملة . وأن قريظة كانوا يؤدى لهم نصف الدية . فتحاكموا في ذلك إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأنزل اللّه ذلك فيهم . فحملهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الحق في ذلك ، فجعل الدية في ذلك سواء . ورواه أحمد وأبو داود والنسائي بنحوه . و روى ابن جرير « 2 » أيضا عن ابن عباس قال : كانت قريظة والنضير . وكانت النضير أشرف من قريظة . فكان إذا قتل القرظيّ رجلا من النضير قتل به . وإذا قتل النضيري رجلا من قريظة ، ودي بمائة وسق من تمر . فلما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة . فقالوا : ادفعوه إليه ، فقالوا : بيننا وبينكم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فنزلت : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في ( المستدرك ) بنحوه . وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد .
--> ( 1 ) الأثر رقم 11974 من التفسير . ( 2 ) الأثر رقم 11985 من التفسير .